محمد باقر الملكي الميانجي

34

مناهج البيان في تفسير القرآن

ضرورة أنّه حقيقة واقعيّة يدور مدار علله وأسبابه من مشيئته تعالى وليست الغفلة والنسيان من جملة أسبابه وشرائطه وقد يوجد الذكر قبل النسيان وبعده ، وقد يطرأ عليه النسيان والغفلة . وأمّا الذّكر في الآية الكريمة وفي سائر الآيات فكل ما حصل من المعرفة والتذكّر والتوجّه إليه تعالى فهو ذكر للّه سبحانه بالحقيقة فإنّه هو المعرفة أوّلا وإبقاء ما حصل منها وتذكّرها عند طروّ الغفلات . وحيث إنّ المعرفة به تعالى بآياته ونظام صنعه وإتقانه جلّ شأنه خارجة عن حدّ التعطيل والتشبيه من دون تصوّر ولا توهّم ولا تعقّل ، لا بالوجه ولا بالكنه ، فهي نعمة واسعة ورحمة عامّة لجميع المؤمنين والموحّدين ، وضروريّ عند من لم يكابر البديهة ولم يعص عقله ولم يخالف ما يجد عنده من الثبوت المقدّس عن التوهّم والتصوّر والتعقّل . فيجب ذكره تعالى على الجميع ويحرم الإدبار والتغافل والتجاهل والتناسي عليهم . فمرجع هذه المعرفة إلى تعريفه تعالى نفسه بآياته وإلى ظهوره الذاتي بآياته فالآيات والأدلّة مذّكرة له تعالى لا معرّفة ، فهو المعرّف بذاته لذاته . قال في الميزان 1 / 344 : ولو كان لقوله تعالى : « فَاذْكُرُونِي » وهو فعل متعلّق بياء المتكلّم حقيقة من دون تجوّز ، أفاد ذلك أنّ للإنسان سنخا آخر من العلم غير هذا العلم المعهود عندنا الّذي هو حصول صورة المعلوم ومفهومه عند العالم إذ كلّما فرض من هذا القبيل فهو تحديد وتوصيف للمعلوم من العالم وقد تقدّست ساحته سبحانه عن توصيف الواصفين قال تعالى : « سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ » [ الصافّات ( 37 ) / 159 و 160 ] وقال : « وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً » . [ طه ( 20 ) 110 ] . أقول : هو كما قال ، إن أراد ما ذكرناه . فمن المقطوع من الآيات والرّوايات التذكرة بهذا المعنى وأنّه تعالى لا يوصف وقد ضلّت فيه الصفات وتفسّخت دون نعوته الأوهام والعقول ، وأظلم بظلمته كلّ نور وأضاء بنوره كلّ ظلام . فتحصّل أنّه سبحانه هو المعرّف لذاته والمتجلّي بخلقه لخلقه ، فليس معروفا بالقلوب والعقول والأوهام ، وليس له وجه ينطبق عليه ويحكي عنه سبحانه .